فصل: جنين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


جنس

التّعريف

1 - الجنس في اللّغة الضّرب من كلّ شيء‏.‏ قال في اللّسان‏:‏ الإبل جنس من البهائم العجم، فإذا واليت سنّا من أسنان الإبل على حدة فقد صنّفتها تصنيفاً، كأنّك جعلت بنات المخاض منها صنفاً، وبنات اللّبون صنفاً، والحقاق صنفاً، وكذلك الجذع والثّنيّ‏.‏

والحيوان أجناس، فالنّاس جنس، والإبل جنس، والبقر جنس، والشّاء جنس‏.‏

وفي اصطلاح الفقهاء عرّفه الجرجانيّ بأنّه اسم دالّ على كثيرين مختلفين بالأنواع‏.‏

وقال الشّربينيّ‏:‏ الجنس‏:‏ كلّ شيئين أو أشياء جمعها اسم خاصّ تشترك في ذلك الاسم بالاشتراك المعنويّ‏.‏ وعرّفه المناطقة بأنّه ما صدق في جواب ما هو على كثيرين مختلفين بالحقيقة، والنّوع ما صدق في جواب ما هو على كثيرين متّفقين بالحقيقة‏.‏

الأحكام المتعلّقة بالجنس

أ - اتّحاد الجنس في الزّكاة‏:‏

2 - قال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في زكاة الخلطة‏:‏ إنّ الخلطاء يعاملون في الزّكاة معاملة المالك الواحد في زكاة الماشية وغيرها على خلاف بينهم فيما يثبت فيه ذلك، وذلك بالشّروط الّتي تذكر في بابها، وبشرط اتّحاد الجنس، سواء كانت الخلطة خلطة أعيان، أو خلطة أوصاف، لخبر أنس «لا يجمع بين متفرّق، ولا يفرّق مجتمع خشية الصّدقة»‏.‏ وذهب الحنفيّة إلى أنّ الخلطة لا أثر لها في القدر الواجب، ولا في النّصاب في الزّكاة، فلو كانت سائمة مشتركة بين اثنين أو أكثر لا تجب الزّكاة على واحد منهم إلاّ أن يبلغ نصيب كلّ شريك نصاباً لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «فإذا كانت سائمة الرّجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة»‏.‏

وأمّا اتّحاد الجنس عند المالك الواحد بأن ملك إبلا، بعضها أرحبيّة، وبعضها مهريّة، أو ملك بقرا بعضها عراب، وبعضها جواميس، أو ملك غنماً بعضها من الضّأن، وبعضها من المعز، فإنّه يضمّ بعضها إلى بعض، ويجوز الإخراج من أيّ نوع ما دام الجنس متّحداً‏.‏ وفي المسألة أوجه أخرى محلّها مصطلح‏:‏ ‏(‏زكاة‏)‏‏.‏

وأمّا إذا اختلفت الأجناس فالأصل أن لا يضمّ بعضها إلى بعض، فلا تضمّ البقر إلى الإبل، ولا إلى الغنم، ولا يضمّ القمح إلى التّمر في تكميل النّصاب‏.‏

ويستثنى من ذلك صور معيّنة يأخذ بها بعض المذاهب ‏(‏وانظر مصطلح‏:‏ زكاة‏)‏‏.‏

ب - أثر اتّحاد الجنس واختلافه في البيوع الرّبويّة‏:‏

3 - اتّفق الفقهاء على أنّ الشّيئين إذا كانا من جنس واحد وكانا ربويّين، فإذا بيع أحدهما بالآخر فلا يجوز فيهما النّساء، أي تأخير التّسليم لكلا العوضين أو أحدهما، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم «الذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، والبرّ بالبرّ، والشّعير بالشّعير، والملح بالملح، والتّمر بالتّمر، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد»‏.‏ وقد اختلف في بعض الأشياء المتشابهة هل هي جنس واحد فيحرم فيها التّفاضل، أم جنسان فلا يحرم‏؟‏

فذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّ كلّ شيئين اتّفقا في الاسم الخاصّ من أصل الخلقة كالتّمر البرنيّ والتّمر المعقليّ فهما جنس واحد، وكلّ شيئين اختلفا في الاسم من أصل الخلقة كالحنطة والتّمر فهما جنسان بدلالة الحديث السّابق‏.‏

وهذا مذهب المالكيّة أيضاً، إلاّ أنّهم قالوا‏:‏ إنّ الطّعامين إن استويا في المنفعة كأصناف الحنطة، أو تقاربا فيها كالقمح والشّعير والسّلت فهما جنس واحد، وإن تباينا في المنفعة كالتّمر والقمح فهما جنسان‏.‏ وينظر تفصيل القول في هذه المسألة في مصطلح‏:‏ ‏(‏ربا‏)‏‏.‏

ج - الجنس في السّلم‏:‏

4 - اتّفق الفقهاء على أنّ المسلم فيه لا بدّ أن يكون مضبوطاً بالصّفات الّتي يختلف الثّمن باختلافها ظاهراً، لأنّ المسلم فيه عوض موصوف في الذّمّة، فلا بدّ أن يكون معلوماً بالصّفة، كالثّمن فيذكر جنسه بأن يقول تمر، ونوعه كتمر برنيّ أو معقليّ، فإن أتى بغير جنس المسلم فيه لا يلزمه قبوله، إذ لا يجوز الاعتياض عنه، وإن أتى بجنسه وعلى صفته المشروطة وجب قبوله قطعاً‏.‏

د - الاختلاف في جنس المغصوب‏:‏

5 - إذا اختلف الغاصب والمغصوب منه في جنس المغصوب، أو صفته، أو قدره، أو وزنه، أو تلفه، فالقول قول الغاصب بيمينه عند الحنفيّة، وكذا عند المالكيّة والشّافعيّة على الصّحيح وهو أيضاً قول الحنابلة في غير الإتلاف بلا خلاف، وفي الإتلاف على الصّحيح، من المذهب، لأنّه غارم، والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏غصب‏)‏‏.‏

هـ - الوصيّة لجنس فلان‏:‏

6 - ذهب الحنفيّة إلى أنّه لو قال في وصيّته ‏"‏ أوصيت لجنس فلان ‏"‏ فهم أهل بيت أبيه دون أهل بيت أمّه، لأنّ الإنسان يتجنّس بأبيه ولا يتجنّس بأمّه، فكان المراد منه جنسه في النّسب‏.‏ بخلاف ما لو أوصى لقرابته، فيدخل أيضاً أقاربه من جهة الأمّ، لأنّ القرابة من يتقرّب إلى الإنسان بغيره، وهذا المعنى يوجد في الطّرفين بخلاف الجنس‏.‏

والتّفصيل في‏:‏ ‏(‏وصيّة‏)‏‏.‏

و - شرب ما يسكر جنسه‏:‏

7 - ذهب الجمهور إلى أنّ المسلم يحدّ بشرب ما يسكر جنسه وإن لم يسكر ما شربه لقلّته أو اعتياد الشّارب له، سواء كان عصير عنب، أو نقيع زبيب، أو تمر، أو رطب، أو بسر، أو عسل، أو حنطة، أو شعير، أو ذرة، أو أرز، أو غير ذلك‏.‏

أمّا الخمر الّتي هي من العنب فلا خلاف بين الفقهاء في أنّ القليل والكثير منها سواء في الحرمة وفي وجوب الحدّ، لقوله صلى الله عليه وسلم في ما رواه أبو داود وابن ماجه والتّرمذيّ عن جابر مرفوعاً «ما أسكر كثيره فقليله حرام» ولقوله صلى الله عليه وسلم في ما رواه أحمد وأبو داود والنّسائيّ عن أبي هريرة «من شرب الخمر فاجلدوه»‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏أشربة‏)‏‏.‏

مواطن البحث

8 - يذكر الفقهاء الجنس في مواطن أخرى فيذكرونه في تعيين النّيّة في الكفّارة إذا كانت أسبابها مختلفة أو متّحدة الجنس، وفي البيع كاختلاط المبيع بجنسه، وفي الإجارة كعدوله عن الجنس المشروط فيها إلى غيره، وفي الإقرار كما لو كان المستثنى من جنس المستثنى منه أو من غيره، وتفصيل ذلك في المصطلحات الخاصّة بتلك المواطن‏.‏

جنّ

التّعريف

1 - الجنّ خلاف الإنس، والجانّ‏:‏ الواحد من الجنّ، يقال‏:‏ جنّه اللّيل وجنّ عليه وأجنّه‏:‏ إذا ستره‏.‏ وكلّ شيء ستر عنك فقد جنّ عنك‏.‏

قال ابن منظور‏:‏ وبه سمّي الجنّ لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار، ومنه سمّي الجنين لاستتاره في بطن أمّه‏.‏

وكان أهل الجاهليّة يسمّون الملائكة جنّاً لاستتارهم عن العيون‏.‏ والجنّ‏:‏ أجسام ناريّة لها قوّة التّشكّل‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏والجَانَّ خَلَقْنَاه مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ‏}‏ ‏.‏

قال البيضاويّ‏:‏ الجنّ أجسام عاقلة خفيّة تغلب عليهم النّاريّة أو الهوائيّة‏.‏ وقال أبو عليّ بن سينا‏:‏ الجنّ حيوان هوائيّ يتشكّل بأشكال مختلفة‏.‏ ولا يخرج الاصطلاح الفقهيّ عن ذلك‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الإنس‏:‏

2 - الإنس‏:‏ جماعة النّاس، والجمع أناس، والإنس‏:‏ البشر‏.‏ الواحد إنسيّ وأنسيّ بالتّحريك، وهم بنو آدم‏.‏

وقال في الكلّيّات‏:‏ ‏"‏ كلّ ما يؤنس به فهو إنس ‏"‏‏.‏ والنّسبة بين الجنّ والإنس التّضادّ‏.‏

ب - الشّياطين‏:‏

3 - الشّياطين جمع شيطان وصيغته ‏(‏فيعال‏)‏ من شطن إذا بعد أي‏:‏ بعد عن الخير، أو من الحبل الطّويل كأنّه طال في الشّرّ‏.‏ وهذا فيمن جعل النّون أصلاً، وقيل‏:‏ الشّيطان فعلان من شاط يشيط إذا هلك واحترق، وهذا فيمن جعل النّون زائدة‏.‏

قال الأزهريّ‏:‏ الأوّل أكثر‏.‏ وهو من حيث العموم‏:‏ العصيّ الأبيّ الممتلئ شرّاً ومكراً، أو المتمادي في الطّغيان الممتدّ إلى العصيان‏.‏ وكلّ عات متمرّد من الجنّ والإنس والدّوابّ شيطان‏.‏ فبين الجنّ والشّيطان عموم وخصوص وجهيّ‏.‏

4 - ويدعى متمرّد الشّياطين ‏"‏ عفريتاً ‏"‏‏.‏ والعفريت‏:‏ الخبيث المنكر الدّاهية، ويسمّى الجنّ عفريتاً إذا بلغ الغاية في الكفر والظّلم والتّعدّي والقوّة‏.‏

قال أبو عمر بن عبد البرّ‏:‏ الجنّ عند أهل الكلام واللّسان منزّلون على مراتب‏.‏ فإذا ذكروا الجنّ خالصاً قالوا‏:‏ جنّيّ‏.‏ فإن أرادوا أنّه ممّن يسكن مع النّاس قالوا‏:‏ عامر، والجمع عمّار‏.‏ فإن كان ممّن يعرض للصّبيان قالوا أرواح، فإن خبث وتعزّم فهو شيطان، فإن زاد على ذلك فهو مارد، فإن زاد على ذلك وقوي أمره قالوا‏:‏ عفريت، والجمع عفاريت‏.‏ وكبير الجنّ‏:‏ إبليس‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فَسَجَدُوا إلاّ إبليسَ كَانَ مِن الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ‏}‏‏.‏

الحكم الإجماليّ

للجنّ أحكام عامّة وخاصّة، وفيما يلي بيانها‏:‏

أوّلاً‏:‏ الأحكام العامّة

وجود الجنّ

5 - ثبت وجود الجنّ بالقرآن والسّنّة وعلى ذلك انعقد الإجماع، فمنكر وجودهم كافر لإنكاره ما علم من الدّين بالضّرورة‏.‏

قدرتهم على التّشكّل في صور شتّى

6 - قال بدر الدّين الشّبليّ‏:‏ للجنّ القدرة على التّطوّر والتّشكّل في صور الإنس والبهائم، فيتصوّرون في صور الحيّات، والعقارب، وفي صور الإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والبغال، والحمير، وفي صور الطّير، وفي صور بني آدم، كما أتى الشّيطان قريشاً في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لمّا أرادوا الخروج إلى بدر‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وإذْ زَيَّنَ لهم الشَّيطَانُ أَعْمَالَهمْ وقَالَ لا غَالِبَ لكم اليَومَ مِن النَّاسِ وإنِّي جَارٌ لكم فَلمَّا تَراءتْ الفِئتَانِ نَكَصَ على عَقِبَيهِ وقَالَ إنِّي بَرِيءٌ منكم إنِّي أَرَى ما لا تَرَونَ إنِّي أخَافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقَابِ‏}‏ وكما روي أنّه تصوّر في صورة شيخ نجديّ لمّا اجتمعوا بدار النّدوة للتّشاور في أمر الرّسول صلى الله عليه وسلم هل يقتلونه، أو يحبسونه، أو يخرجونه، وورد «عن أبي سعيد الخدريّ يرفعه أنّ بالمدينة نفراً من الجنّ قد أسلموا فمن رأى شيئاً من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثاً فإن بدا له بعد فليقتله فإنّه شيطان»‏.‏

قال ابن عابدين‏:‏ تشكّلهم ثابت بالأحاديث، والآثار، والحكايات الكثيرة‏.‏

وأنكر قوم قدرة الجنّ على ذلك‏.‏ وقال القاضي أبو يعلى‏:‏ لا قدرة للشّياطين على تغيير خلقهم والانتقال في الصّور، وإنّما يجوز أن يعلّمهم اللّه تعالى كلمات وضروباً من الأفعال إذا فعله وتكلّم به نقله اللّه تعالى من صورة إلى صورة‏.‏

وروي عن عمر أنّه قال‏:‏ إنّ أحداً لا يستطيع أن يتغيّر عن صورته الّتي خلقه اللّه تعالى عليها ولكن لهم سحرة كسحرتكم، فإذا رأيتم ذلك فأذنوا‏.‏

هذا ومن خصائص الجنّ أنّهم يرون الإنس ولا يراهم الإنس إلاّ نادراً، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏إنَّه يَرَاكُمْ هو وقَبِيلُهُ مِنْ حَيثُ لا تَرَونَهُمْ‏}‏‏.‏

مسكن الجنّ ومأكلهم ومشربهم

7 - غالب ما يسكن الجنّ في مواضع المعاصي والنّجاسات، كالحمّامات، والحشوش، والمزابل، والقمّامين‏.‏ فعن زيد بن أرقم عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «إنّ هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبث والخبائث»‏.‏ والمحضرة مكان حضور الجنّ والشّياطين‏.‏

وقد جاءت الآثار بالنّهي عن الصّلاة في هذه الأماكن‏.‏

8- ومن أزواد الجنّ العظام‏.‏ ففي الحديث أنّ «الجنّ سألوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الزّاد فقال‏:‏ كلّ عظم يذكر اسم اللّه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحماً، وكلّ بعرة أو روثة علف لدوابّكم»‏.‏ وقد «نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بالعظم والرّوث وقال‏:‏ إنّه زاد إخوانكم من الجنّ»‏.‏

تكليف الجنّ ودخولهم في عموم بعثة محمّد صلى الله عليه وسلم

9 - اتّفق العلماء على أنّ الجنّ مكلّفون مخاطبون لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أُوحِيَ إليَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِن الجِنِّ فَقَالُوا إنِّا سَمِعْنَا قُرْآنَاً عَجَبَاً يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أحَدَاً‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنسِ إنْ اسْتَطَعْتُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى قوله تعالى ‏{‏فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات الدّالّة على تكليفهم وأنّهم مأمورون منهيّون‏.‏ ولما في القرآن من ذمّ الشّياطين ولعنهم، والتّحرّز من غوائلهم وشرّهم، وذكر ما أعدّ اللّه لهم من العذاب، وهذه لا تكون إلاّ لمن خالف الأمر والنّهي، وارتكب الكبائر، وهتك المحارم، مع تمكّنه من أن لا يفعل ذلك، وقدرته على فعل خلافه‏.‏

قال القاضي عبد الجبّار‏:‏ لا نعلم خلافاً بين أهل النّظر في أنّ الجنّ مكلّفون‏.‏

وحكي عن الحشويّة أنّهم مضطرّون إلى أفعالهم، وأنّهم ليسوا مكلّفين‏.‏

10 - وأجمع العلماء على دخول الجنّ في عموم بعثة النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأنّ اللّه تعالى أرسل محمّداً صلى الله عليه وسلم إلى الجنّ والإنس ففي الصّحيحين من حديث جابر بن عبد اللّه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «أعطيت خمساً لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي» وحديث «كان النّبيّ يبعث إلى خاصّة قومه وبعثت أنا إلى الجنّ والإنس» قال ابن عقيل‏:‏ والجنّ داخلون في مسمّى النّاس لغة‏.‏ ويقول الفيّوميّ‏:‏ يطلق لفظ النّاس على الجنّ والإنس‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النَّاسِ‏}‏ ثمّ فسّر النّاس بالجنّ والإنس فقال‏:‏ ‏{‏مِن الجِنَّةِ والنَّاسِ‏}‏‏.‏

ثواب الجنّ على أعمالهم

11 - ذهب جمهور العلماء إلى أنّ الجنّ يثابون على الطّاعة ويعاقبون على المعصية، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنَّا مِنَّا المُسْلِمونَ ومِنَّا القَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فأولئكَ تَحَرَّوا رَشَدَاً وأمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبَاً‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهمْ ولا جَانٌّ‏}‏‏.‏

وحكى ابن حزم وغيره عن أبي حنيفة أنّه قال‏:‏ لا ثواب لهم إلاّ النّجاة من النّار لأنّه جاء في القرآن فيهم ‏{‏يَغفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ‏}‏ والمغفرة لا تستلزم الإثابة، لأنّ المغفرة ستر‏.‏

وروي عن ليث بن أبي سليم قال‏:‏ ثواب الجنّ أن يجاروا من النّار، ثمّ يقال لهم‏:‏ كونوا تراباً، وروي عن أبي الزّناد قال‏:‏ إذا دخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النّار النّار قال اللّه تعالى‏:‏ لمؤمني الجنّ وسائر الأمم‏:‏ كونوا تراباً، فحينئذ يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً‏.‏

ثمّ إنّ العلماء اتّفقوا على أنّ كافر الجنّ يعذّب في الآخرة، كما ذكر اللّه تعالى في كتابه العزيز‏:‏ ‏{‏وأمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبَاً‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والنَّارُ مَثوى لَهُمْ‏}‏

دخول الجنّ في بدن الإنسان

12 - قال أبو الحسن الأشعريّ‏:‏ اختلف النّاس في الجنّ، هل يدخلون في النّاس‏؟‏ على مقالتين‏:‏ فقال قائلون‏:‏ محال أن يدخل الجنّ في النّاس‏.‏

وقال قائلون‏:‏ يجوز أن يدخل الجنّ في النّاس، ولحديث‏:‏ «اخرج عدوّ اللّه فإنّي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم» ولأنّ أجسام الجنّ أجسام رقيقة، فليس بمستنكر أن يدخلوا في جوف الإنسان من خروقه، كما يدخل الماء والطّعام في بطن الإنسان، وهو أكثف من أجسام الجنّ، ولا يؤدّي ذلك إلى اجتماع الجواهر في حيّز واحد، لأنّها لا تجتمع إلاّ على طريق المجاورة لا على سبيل الحلول، وإنّما تدخل أجسامنا كما يدخل الجسم الرّقيق في المظروف‏.‏

رواية الجنّ للحديث

13 - تجوز رواية الجنّ عن الإنس ما سمعوه منهم، أو قرئ عليهم وهم يسمعون، سواء علم الإنس بحضورهم أم لا‏.‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أُوحِيَ إليَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِن الجِنِّ‏}‏ الآيات، وقوله‏:‏ ‏{‏وإذْ صَرَفْنَا إليكَ نَفَرَاً مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرآنَ فَلَمَّا حَضَرُوه قالوا أَنْصِتُوا فلمَّا قُضِيَ ولَّوا إلى قَومِهمْ مُنْذِرِينَ قَالوا يا قَومَنَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ فإذا جاز أن يبلّغوا القرآن جاز أن يبلّغوا الحديث‏.‏ وكذا إذا أجاز الشّيخ من حضر أو سمع دخلوا في إجازته، وإن لم يعلم به، كما في نظير ذلك من الإنس‏.‏

وأمّا رواية الإنس عنهم‏:‏ فقال السّيوطيّ‏:‏ الظّاهر منعها، لعدم حصول الثّقة بعدالتهم‏.‏

الذّبح للجنّ

14 - ما ذبح للجنّ وعلى اسمهم فلا يحلّ، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ المَيتَةُ‏}‏ إلى قوله ‏{‏وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال يحيى بن يحيى‏:‏ قال لي وهب‏:‏ استنبط بعض الخلفاء عينا وأراد إجراءها وذبح للجنّ عليها لئلاّ يغوروا ماءها فأطعم ذلك ناسا، فبلغ ذلك ابن شهاب، فقال‏:‏ أمّا إنّه قد ذبح ما لم يحلّ له، وأطعم النّاس ما لا يحلّ لهم‏.‏ فقد «نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ذبائح الجنّ»‏.‏

الأذكار الّتي يعتصم بها من الشّياطين مردة الجنّ ويستدفع بها شرّهم

15 - وذلك في عشرة حروز - كما قال صاحب الآكام -

أحدها‏:‏ الاستعاذة باللّه من الجنّ، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِن الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ باللَّهِ إنَّه هو السَّمِيعُ العَلِيمُ‏}‏، وفي موضع آخر‏:‏ ‏{‏وإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِن الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏ وفي الصّحيح «أنّ رجلين استبّا عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتّى احمرّ وجه أحدهما فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنّي لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد‏:‏ أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم»‏.‏

الثّاني‏:‏ قراءة المعوّذتين‏.‏ فقد روى التّرمذيّ من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال‏:‏ «كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يتعوّذ من الجانّ وعين الإنسان حتّى نزلت المعوّذتان فلمّا نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما»‏.‏

الثّالث‏:‏ قراءة آية الكرسيّ‏.‏ فعن «أبي هريرة قال‏:‏ وكّلني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت، فجعل يحثو من الطّعام، فأخذته فقلت لأرفعنّك إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال‏:‏ أعلّمك كلمات ينفعك اللّه بهنّ‏.‏ قلت‏:‏ ما هي‏؟‏ قال‏:‏ إذا آويت إلى فراشك فاقرأ هذه الآية‏:‏ ‏{‏اللَّهُ لا إلهَ إلاّ هوَ الحَيُّ القَيُّومُ‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ حتّى ختم الآية فإنّه لن يزال عليك حافظ من اللّه تعالى ولا يقربك شيطان حتّى تصبح‏.‏ فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما فعل أسيرك اللّيلة‏؟‏ قلت‏:‏ يا رسول اللّه علّمني شيئا زعم أنّ اللّه تعالى ينفعني به‏.‏ قال‏:‏ وما هو‏؟‏ قال‏:‏ أمرني أن أقرأ آية الكرسيّ إذا آويت إلى فراشي، زعم أنّه لا يقربني حتّى أصبح، ولا يزال عليّ من اللّه تعالى حافظ‏.‏ فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ أما إنّه قد صدقك وهو كذوب، ذاك الشّيطان»‏.‏

الرّابع‏:‏ قراءة سورة البقرة، ففي الصّحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، وإنّ الشّيطان ينفر من البيت الّذي تقرأ فيه سورة البقرة»‏.‏

الخامس‏:‏ خاتمة سورة البقرة، فعن أبي مسعود الأنصاريّ رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه»

وعن النّعمان بن بشير رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إنّ اللّه كتب كتاباً قبل أن يخلق السّموات والأرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقرّ بها شيطان»‏.‏

السّادس‏:‏ أوّل سورة حم المؤمن ‏(‏غافر‏)‏ - إلى قوله - ‏{‏إليه المصير‏}‏، مع آية الكرسيّ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ «قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ من قرأ حم المؤمن إلى قوله‏:‏ ‏{‏إليه المصير‏}‏ وآية الكرسيّ حين يصبح حفظ بهما حتّى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتّى يصبح»‏.‏

السّابع‏:‏ ‏"‏ لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير ‏"‏ مائة مرّة‏.‏ فعن أبي هريرة رضي الله عنه «أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ من قال لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير في يوم مائة مرّة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيّئة، وكانت له حرزاً من الشّيطان يومه ذلك حتّى يمسي، ولم يأت أحد أفضل ممّا جاء به إلاّ أحد عمل أكثر من ذلك»‏.‏

الثّامن‏:‏ كثرة ذكر اللّه عزّ وجلّ، فعن الحارث الأشعريّ «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إنّ اللّه تعالى أمر يحيى بن زكريّا عليه السلام بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنّه كاد أن يبطئ بها فقال عيسى‏:‏ إنّ اللّه أمرك بخمس كلمات لتعمل بها، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإمّا أن تأمرهم، وإمّا أنا آمرهم فقال يحيى عليه السلام‏:‏ أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي أو أعذّب‏.‏ فجمع النّاس في بيت المقدس فامتلأ المسجد وقعدوا على الشّرف‏.‏ فقال‏:‏ إنّ اللّه أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهنّ وآمركم أن تعملوا بهنّ‏.‏ أوّلهنّ‏:‏ أن تعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئاً، وإنّ مثل من أشرك باللّه كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو ورق، فقال‏:‏ هذه داري وهذا عملي فاعمل وأدّ إليّ فكان يعمل ويؤدّي إلى غير سيّده، فأيّكم يرضى أن يكون عبده كذلك‏؟‏ وأنّ اللّه أمركم بالصّلاة فإذا صلّيتم فلا تلتفتوا فإنّ اللّه تعالى ينصب وجهه بوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت، وآمركم بالصّيام فإنّ مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرّة فيها مسك فكلّهم يعجب أو يعجبه ريحها، وإنّ ريح الصّائم أطيب عند اللّه تعالى من ريح المسك، وآمركم بالصّدقة فإنّ مثل ذلك كمثل رجل أسره العدوّ فأوثقوا يده إلى عنقه وقدّموه ليضربوا عنقه، فقال‏:‏ أنا أفديه منكم بالقليل والكثير ففدى نفسه منهم‏.‏ وآمركم أن تذكروا اللّه تعالى، فإنّ مثل ذلك كمثل رجل خرج العدوّ في أثره سراعاً حتّى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشّيطان إلاّ بذكر اللّه تعالى …»‏.‏ الحديث‏.‏ التّاسع الوضوء‏:‏ وهو من أعظم ما يتحرّز به لا سيّما عند ثوران قوّة الغضب والشّهوة فإنّها نار تغلي في قلب ابن آدم، فعن أبي سعيد الخدريّ «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ألا وإنّ الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه، فمن أحسّ بشيء من ذلك فليلصق بالأرض» وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنّ الغضب من الشّيطان، وإنّ الشّيطان خلق من النّار، وإنّما تطفأ النّار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضّأ»‏.‏

العاشر‏:‏ إمساك فضول النّظر والكلام والطّعام ومخالطة النّاس، فإنّ الشّيطان إنّما يتسلّط على ابن آدم من هذه الأبواب الأربعة، ففي مسند الإمام أحمد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «النّظرة سهم مسموم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد له حلاوة في قلبه»‏.‏

وزاد الإمام النّوويّ الأذان، ففي صحيح مسلم عن سهيل بن أبي صالح أنّه قال‏:‏ أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلام لنا أو صاحب لنا، فناداه مناد من حائط باسمه، وأشرف الّذي معي على الحائط فلم ير شيئاً، فذكرت ذلك لأبي، فقال‏:‏ لو شعرت أنّك تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتاً فناد بالصّلاة‏.‏ فإنّي سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يحدّث عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «إنّ الشّيطان إذا نودي بالصّلاة ولّى وله حصاص» كما أنّه نصّ على أنّ مطلق القرآن يعصم من الشّياطين‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا قَرَأتَ القُرآنَ جَعَلْنَا بَينَكَ وبَينَ الَّذينَ لا يُؤمنونَ بالآخِرَةِ حِجَابَاً مَسْتُورَاً‏}‏‏.‏

جنون

التّعريف

1 - الجنون في اللّغة‏:‏ مصدر جنّ الرّجل بالبناء للمجهول، فهو مجنون‏:‏ أي زال عقله أو فسد، أو دخلته الجنّ، وجنّ الشّيء عليه‏:‏ ستره‏.‏

وأمّا في الاصطلاح فقد عرّفه الفقهاء والأصوليّون بعبارات مختلفة منها‏:‏ أنّه اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهجه إلاّ نادراً‏.‏

وقيل‏:‏ الجنون اختلال القوّة المميّزة بين الأشياء الحسنة والقبيحة المدركة للعواقب بأن لا تظهر آثارها، وأن تتعطّل أفعالها‏.‏

وعرّفه صاحب البحر الرّائق بأنّه‏:‏ اختلال القوّة الّتي بها إدراك الكلّيّات‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الدّهش‏:‏

2 - الدّهش في اللّغة‏:‏ مصدر دهش، يقال دهش الرّجل أي تحيّر، أو ذهب عقله من ذهل أو وله، ودهش أيضاً على ما لم يسمّ فاعله فهو مدهوش‏.‏

ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذين المعنيين فهم يطلقونه على المتحيّر وعلى ذاهب العقل، وقد جعل الحنفيّة المدهوش الّذي ذهب عقله داخلاً في المجنون‏.‏

ب - العته‏:‏

3 - العته في اللّغة‏:‏ نقصان العقل من غير جنون أو دهش‏.‏ وهو عند الفقهاء والأصوليّين آفة توجب خللاً في العقل فيصير صاحبه مختلط الكلام، فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء، وبعضه كلام المجانين، وكذا سائر أموره‏.‏

والفرق بين الجنون والعته، أنّ المعتوه قليل الفهم مختلط الكلام، فاسد التّدبير، لكن لا يضرب ولا يشتم بخلاف المجنون‏.‏

وصرّح الأصوليّون بأنّ حكم المعتوه حكم الصّبيّ المميّز، إلاّ أنّ الدّبوسيّ قال‏:‏ تجب عليه العبادات احتياطاً، وقال صدر الإسلام‏:‏ إنّ العته نوع جنون فيمنع أداء الحقوق جميعاً‏.‏

ج - السّفه‏:‏

4 - السّفه لغة‏:‏ نقص في العقل، وأصله الخفّة والتّحرّك، يقال‏:‏ تسفّهت الرّياح الثّوب‏:‏ إذا استخفّته، وحرّكته، ومنه زمام سفيه أي خفيف‏.‏

وفي اصطلاح الفقهاء‏:‏ خفّة تبعث الإنسان على العمل في ماله بخلاف مقتضى العقل والشّرع مع قيام العقل حقيقة‏.‏ قال الحنفيّة‏:‏ فالسّفه لا يوجب خللاً،ولا يمنع شيئاً من أحكام الشّرع‏.‏ وقيل السّفه صفة لا يكون الشّخص معها مطلق التّصرّف كأن يبلغ مبذّراً يضيّع المال في غير وجهه الجائز، وأمّا عرفاً‏:‏ فهو بذاءة اللّسان والنّطق بما يستحيا منه‏.‏ وفي جواهر الإكليل‏:‏ السّفيه‏:‏ البالغ العاقل الّذي لا يحسن التّصرّف في المال فهو خلاف الرّشيد‏.‏

د - السكر‏:‏

5 - اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف السّكر‏:‏ فعند أبي حنيفة والمزنيّ من الشّافعيّة‏:‏ السّكر نشوة تزيل العقل، فلا يعرف السّماء من الأرض، ولا الرّجل من المرأة، وصرّح ابن الهمام بأنّ تعريف السّكر بما مرّ إنّما هو في السّكر الموجب للحدّ، وأمّا تعريفه في غير وجوب الحدّ فهو عند أئمّة الحنفيّة كلّهم‏:‏ اختلاط الكلام والهذيان‏.‏ ويقرب من هذا تعريف الشّافعيّ للسّكران‏:‏ بأنّه الّذي اختلط كلامه المنظوم، وانكشف سرّه المكتوم‏.‏

وقال ابن سريج‏:‏ الرّجوع فيه إلى العادة، فإذا انتهى تغيّره إلى حالة يقع عليه فيها عادة اسم السّكران، فهو المراد بالسّكران، قال الرّافعيّ وهو الأقرب‏.‏

وقيل‏:‏ السّكر حالة تعرض للإنسان من امتلاء دماغه من الأبخرة المتصاعدة من الخمر ونحوه، فيتعطّل معه العقل المميّز بين الأمور الحسنة والقبيحة‏.‏

هـ - الصّرع‏:‏

6 - الصّرع لغة‏:‏ علّة تمنع الدّماغ من فعله منعا غير تامّ، فتتشنّج الأعضاء‏.‏

أقسام الجنون

7 - جاء في كشف الأسرار‏:‏ الجنون يكون أصليّاً إذا كان لنقصان جبل عليه دماغه وطبع عليه في أصل الخلقة فلم يصلح لقبول ما أعدّ لقبوله من العقل، وهذا النّوع ممّا لا يرجى زواله‏.‏ ويكون عارضاً‏:‏ إذا زال الاعتدال الحاصل للدّماغ خلقة إلى رطوبة مفرطة، أو يبوسة متناهية، وهذا النّوع ممّا يرجى زواله بالعلاج بما خلق اللّه تعالى من الأدوية‏.‏ والجنون الأصليّ لا يفارق العارض في شيء من الأحكام‏.‏

8- وينقسم الجنون أيضاً إلى مطبق وغير مطبق‏:‏ والمراد بالمطبق الملازم الممتدّ‏.‏ والامتداد ليس له ضابط عامّ بل يختلف باختلاف العبادات، كما صرّح به ابن الهمام من الحنفيّة حيث قال‏:‏ إنّ قدر الامتداد المسقط في الصّلوات بالزّيادة على يوم وليلة عند أبي حنيفة وأبي يوسف وبصيرورتها ستّاً عند محمّد، وفي الصّوم باستغراق الشّهر ليله ونهاره، وفي الزّكاة باستغراق الحول كلّه في الأصحّ، وغير الممتدّ ما كان أقلّ من ذلك‏.‏

فالجنون إن كان ممتدّاً سقط معه وجوب العبادات فلا تشغل بها ذمّته، وإن كان غير ممتدّ وهو طارئ لم يمنع التّكليف ولا ينفي أصل الوجوب، لأنّ الوجوب بالذّمّة، وهي ثابتة، ولذلك يرث ويملك، وإن كان غير ممتدّ، وكان أصليّاً فحكمه عند محمّد حكم الممتدّ، لأنّه ناط الإسقاط بالكلّ من الامتداد والأصالة، وقال أبو يوسف‏:‏ حكمه حكم الطّارئ فيناط الإسقاط بالامتداد‏.‏

أثر الجنون في الأهليّة

9 - الجنون من عوارض أهليّة الأداء وهو يزيلها من أصلها، فلا تترتّب على تصرّفاته آثارها الشّرعيّة، لأنّ أساس أهليّة الأداء في الإنسان التّمييز والعقل، والمجنون عديم العقل والتّمييز‏.‏ ولا يؤثّر الجنون في أهليّة الوجوب، لأنّها ثابتة لكلّ إنسان، فكلّ إنسان أيّاً كان له أهليّة الوجوب، لأنّ أهليّته للوجوب هي حياته الإنسانيّة‏.‏

وما وجب على المجنون بمقتضى أهليّته للوجوب من واجبات ماليّة يؤدّيها عنه وليّه‏.‏

فإذا جنى على نفس أو مال يؤاخذ ماليّاً لا بدنيّاً، ففي القتل يضمن دية القتيل ولا يقتصّ منه، لقول عليّ رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏ عمد الصّبيّ والمجنون خطأ ‏"‏ وكذلك يضمن ما أتلفه من مال الغير‏.‏ وتفصيله في الملحق الأصوليّ‏.‏

أثر الجنون في العبادات البدنيّة

أ - في الوضوء والتّيمّم‏:‏

10 - أجمع الفقهاء على أنّ الجنون قليلاً كان أو كثيراً ناقص للوضوء‏.‏

كما صرّحوا بأنّ كلّ ما يبطل الوضوء يبطل التّيمّم أيضاً‏.‏

ب - أثر الجنون في سقوط الصّلاة‏:‏

11 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ المجنون غير مكلّف بأداء الصّلاة في حال جنونه، فلا تجب الصّلاة على مجنون لا يفيق، لأنّ أهليّة الأداء تفوت بزوال العقل‏.‏ لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا‏:‏ «رفع القلم عن ثلاثة‏:‏ عن النّائم حتّى يستيقظ، وعن الصّبيّ حتّى يحتلم، وعن المجنون حتّى يعقل»‏.‏

واختلفوا في وجوب القضاء عليه بعد الإفاقة‏:‏ فذهب الحنفيّة ما عدا محمّداً إلى أنّ من جنّ يوما وليلة، ثمّ أفاق قضى الخمس، وإن زاد الجنون وقت صلاة سادسة لا يقضي، لأنّ ذلك يدخل في التّكرار فسقط القضاء للحرج، وقال محمّد‏:‏ يسقط القضاء إذا صارت الصّلوات ستّاً ودخل في السّابعة، لأنّ ذلك هو الّذي يحصل به التّكرار‏.‏

وأمّا أبو حنيفة وأبو يوسف فأقاما الوقت في دخول الصّلوات في حدّ التّكرار مقام الصّلاة تيسيرا، فتعتبر الزّيادة بالسّاعات‏.‏

ويرى المالكيّة أنّ الجنون إذا ارتفع، وقد بقي من الوقت ما يسع أقلّ من ركعة سقطت الصّلاتان، هذا إذا كان في وقت مشترك بين الصّلاتين‏.‏

وإن بقي ما يسع ركعة فأكثر إلى تمام صلاة واحدة وجبت الأخيرة وسقطت الأولى، وإن بقي زيادة على ذلك بمقدار ركعة من الصّلاة الأخرى وجبت الصّلاتان، وإن ارتفع في وقت مختصّ بصلاة واحدة وجبت المختصّة بالوقت‏.‏

وقد فصّل الشّافعيّة الكلام فقالوا‏:‏ الجنون مانع من وجوب الصّلاة وله ثلاثة أحوال‏:‏

1 - لا تجب على المجنون الصّلاة ولا قضاؤها إذا استغرق الوقت جميعاً، قلّ الجنون أو كثر‏.‏

2 - أن يوجد في أوّل الوقت، ويخلو آخره‏:‏ فينظر إن بقي الوقت قدر ركعة، وامتدّت السّلامة من الجنون قدر إمكان الطّهارة، وتلك الصّلاة، لزمه فرض الوقت‏.‏

3 - أن يخلو أوّل الوقت أو أوسطه عن الجنون ثمّ يطرأ، ففي القدر الماضي من الوقت‏:‏ إن كان قدرا يسع تلك الصّلاة وجب القضاء على المذهب‏.‏

وخرج ابن سريج قولاً‏:‏ أنّه لا يجب إلاّ إذا أدرك جميع الوقت، أمّا إذا كان الماضي من الوقت لا يسع تلك الصّلاة، فلا يجب على المذهب، وبه قطع جمهور الشّافعيّة‏.‏

وأمّا عند الحنابلة فلا يقضي المجنون الصّلاة إذا أفاق لعدم لزومها له، إلاّ أن يفيق في وقت الصّلاة فيصير كالصّبيّ يبلغ، وذلك لحديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «رفع القلم عن ثلاثة‏.‏‏.‏‏.‏» الحديث ولأنّ مدّته تطول غالباً، فوجوب القضاء عليه يشقّ فعفي عنه‏.‏

ج - أثر الجنون في الصّوم‏:‏

12 - اتّفق الأئمّة على أنّ الجنون مسقط للصّوم إذا كان مطبقاً، وذلك بأن يمتدّ إلى أن يستغرق شهر رمضان، لأنّه لم يشهد الشّهر، وهو السّبب لوجوب الصّوم، ولذا فلا يجب الصّوم على المجنون‏.‏ واختلفوا في وجوب القضاء عليه إذا أفاق في جزء من شهر رمضان، فذهب الحنفيّة في ظاهر الرّواية إلى وجوب القضاء سواء أفاق ليلاً أم نهاراً، لأنّه شهد الشّهر، إذ المراد من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنْ شَهِدَ مِنْكم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ شهود بعضه، لأنّه لو أراد شهود كلّه لوقع الصّوم بعد رمضان، وأنّه خلاف الإجماع‏.‏

قال في شرح كشف الأسرار‏:‏ ذكر في الكامل نقلا عن شمس الأئمّة الحلوانيّ، إنّه إن كان مفيقاً في أوّل ليلة من رمضان فأصبح مجنوناً، واستوعب الجنون باقي الشّهر لا يجب عليه القضاء وهو الصّحيح، لأنّ اللّيل لا يصام فيه، فكان الجنون والإفاقة فيه سواء، وكذا لو أفاق في ليلة من الشّهر ثمّ أصبح مجنوناً‏.‏

وفرّق محمّد بن الحسن في حكم الجنون بين ما إذا كان أصليّاً وما إذا كان عارضاً بعد البلوغ، وهذا ما اختاره بعض المتأخّرين من الحنفيّة، وفي الشرنبلالية‏:‏ ليس على المجنون الأصليّ قضاء ما مضى من الأيّام قبل إفاقته في الأصحّ‏.‏

وخلاصة القول‏:‏ أنّه إذا استوعب الجنون الشّهر كلّه لا قضاء عليه بلا خلاف مطلقاً، وإلاّ ففيه الخلاف المذكور‏.‏

ويرى المالكيّة أنّ المجنون لا يصحّ صومه ولكن لا يجب القضاء عليه في المشهور، وقيل‏:‏ لا يجب عليه قضاء ما كثر من السّنين‏.‏

وهناك قول ثالث عندهم وهو‏:‏ أنّه إن بلغ مجنونا لم يقض بخلاف من بلغ صحيحاً ثمّ جنّ‏.‏ وذهب الشّافعيّة في الأصحّ وهو قول زفر من الحنفيّة إلى أنّ المجنون لو أفاق في بعض شهر رمضان لم يجب عليه قضاء ما مضى كالصّبيّ إذا بلغ، أو الكافر إذا أسلم في خلال الشّهر‏.‏

ويرى الحنابلة وهو وجه عند الشّافعيّة أنّ الجنون حكمه حكم الإغماء، أي يمنع صحّة الصّوم، إلاّ أنّه إذا وجد في جميع النّهار لم يجب قضاؤه‏.‏

د - أثر الجنون في الحجّ‏:‏

13 - الجنون كما سبق من عوارض الأهليّة، فالمجنون لا يتأتّى منه أداء أفعال الحجّ، وكذلك لو وقف بعرفة وهو مجنون ولم يفق حتّى خرج منها لم يجزئه، ثمّ العقل شرط لصحّة التّكليف عند الحنفيّة في الأظهر والحنابلة، فلا يصحّ أن يحرم الوليّ عن المجنون، ولكن لو وجب الحجّ على المجنون قبل طروّ جنونه صحّ الإحجاج عنه، وأمّا عند المالكيّة والشّافعيّة، وهو رواية عند الحنفيّة فشرط الصّحّة المطلقة الإسلام وليس العقل، فيجوز للوليّ أن يحرم عن المجنون‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏حجّ‏)‏‏.‏

هـ - أثر الجنون في الزّكاة‏:‏

14 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه تجب الزّكاة في مال المجنون ويخرجها الوليّ من ماله، فإن لم يخرج، أخرج المجنون بعد الإفاقة زكاة ما مضى، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «من ولي يتيماً له مال، فليتّجر له، ولا يتركه حتّى تأكله الصّدقة» وروي موقوفاً على عمر رضي الله عنه، وإنّما تأكله الصّدقة بإخراجها، وإنّما يجوز للوليّ إخراجها إذا كانت واجبة، لأنّه ليس له أن يتبرّع بمال اليتيم، ولأنّ الشّارع جعل ملك النّصاب سببا في الزّكاة والنّصاب موجود، والخطاب بإخراجها يتعلّق بالوليّ‏.‏ والمجنون والصّبيّ سواء في هذا الحكم‏.‏

ويروى ذلك عن جماعة من كبار الصّحابة فيهم عمر، وعليّ، وابن عمر، وعائشة، والحسن بن عليّ، وجابر رضي الله عنهم، وبه قال جابر بن زيد، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، وابن أبي ليلى، وإسحاق وأبو ثور وغيرهم‏.‏

وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا زكاة في مال المجنون، لأنّه غير مخاطب بالعبادة، والزّكاة من أعظم العبادات، فلا تجب عليه كالصّلاة والحجّ ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «رفع القلم عن ثلاثة‏:‏ عن النّائم حتّى يستيقظ، وعن الصّبيّ حتّى يحتلم، وعن المجنون حتّى يعقل»‏.‏ وقال عليّ رضي الله تعالى عنه‏:‏ لا تجب عليه الزّكاة حتّى تجب عليه الصّلاة، وإليه ذهب الحسن، وسعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، وأبو وائل، والنّخعيّ‏.‏

وحدّ امتداد الجنون في حقّ الزّكاة عندهم أن يستغرق الحول، وروى هشام عن أبي يوسف أنّ امتداده في حقّ الزّكاة بأكثر السّنة ونصف السّنة ملحق بالأقلّ، لأنّ كلّ وقتها الحول، إلاّ أنّه مديد جدّاً، فقدّر بأكثر الحول عملا بالتّيسير والتّخفيف، فإنّ اعتبار أكثر السّنة أيسر وأخفّ على المكلّف، وإذا بلغ الصّبيّ مجنوناً، وهو مالك لنصاب فزال جنونه بعد مضيّ ستّة أشهر ثمّ تمّ الحول من وقت البلوغ وهو مفيق، وجبت عليه الزّكاة عند محمّد، لأنّه يفرّق بين الجنون الأصليّ والعارض، ولا تجب عند أبي يوسف، بل يستأنف الحول من وقت الإفاقة، لأنّه بمنزلة الصّبيّ الّذي بلغ الآن عنده، ولو كان الجنون عارضاً فزال بعد ستّة أشهر، تجب الزّكاة بالإجماع، لأنّه زال قبل الامتداد عند الكلّ‏.‏

ويحكى عن ابن مسعود، والثّوريّ، والأوزاعيّ أنّهم قالوا‏:‏ تجب الزّكاة في الحال، لكنّه لا يخرج حتّى يفيق‏.‏ وتفصيله في مصطلح‏:‏ ‏(‏إفاقة‏)‏‏.‏

أمّا زكاة زرع المجنون فلا خلاف في وجوبها فيه، وكذلك صدقة الفطر عند الجمهور، وقال محمّد وزفر من الحنفيّة‏:‏ لا تجب صدقة الفطر في مال المجنون فيضمنها الوليّ والوصيّ لو أدّياها من ماله‏.‏

و - أثر الجنون في التّصرّفات القوليّة‏:‏

15 - أجمع الفقهاء على أنّ الجنون كالإغماء والنّوم، بل هو أشدّ منهما في فوات الاختيار وتبطل عبارات المغمى عليه، والنّائم في التّصرّفات القوليّة، كالطّلاق، والإسلام، والرّدّة، والبيع، والشّراء وغيرها من التّصرّفات القوليّة، فبطلانها بالجنون أولى، لأنّ المجنون عديم العقل والتّمييز والأهليّة، واستدلّوا لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «رفع القلم عن ثلاثة‏:‏ عن النّائم حتّى يستيقظ، وعن الصّبيّ حتّى يحتلم، وعن المجنون حتّى يعقل»‏.‏

ومثل ذلك كلّ تصرّف قوليّ لما فيه من الضّرر‏.‏

ز - أثر الجنون في عقود المعاوضة‏:‏

16 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ كلّ تصرّف قوليّ يصدر في حال الجنون فهو باطل، فالمجنون لا تصحّ عقوده لرجحان جانب الضّرر نظراً إلى سفهه، وقلّة مبالاته، وعدم قصده المصالح‏.‏

ح - أثر الجنون في التّبرّعات‏:‏

17 - سبق بيان أنّ التّصرّفات القوليّة لا تصحّ من المجنون، لأنّ بالجنون تسلب الولايات، واعتبار الأقوال، فلا تصحّ هبته ولا صدقته، ولا وقفه، ولا وصيّته، وما إلى ذلك، لأنّ التّصرّفات يشترط فيها كمال العقل، والمجنون مسلوب العقل أو مختلّه، وعديم التّمييز والأهليّة، وهذا بإجماع الفقهاء‏.‏

ط - أثر الجنون في الولاية‏:‏

18 - لا خلاف بين جمهور الفقهاء في أنّ الجنون يزيل الولاية، لعدم تمييزه، ولأنّ الولاية إنّما ثبتت نظراً للمولى عليه عند عجزه عن النّظر لنفسه، ومن لا عقل له لا يمكنه النّظر، وأيضا المجنون لا يلي نفسه، فلا يلي غيره بالأولى‏.‏

ي - جنون القاضي‏:‏

19 - أجمع الفقهاء على أنّ القاضي لا بدّ أن يكون عاقلاً، فلا يصحّ قضاء المجنون، لأنّ القضاء ولاية، والمجنون لا ولاية له، ولأنّ بالجنون تسلب الولايات واعتبار الأقوال، وكذلك إذا جنّ القاضي فينعزل ولا ينفذ حكمه‏.‏

وإذا زال الجنون لا تعود ولايته، إلاّ في رواية للشّافعيّة تعود من غير استئناف توليته‏.‏

ك - أثر الجنون في الجنايات‏:‏

20 - تقدّم أنّ الجنون عارض من عوارض الأهليّة يطرأ على العقل فيذهب به، ولذلك تسقط فيه المؤاخذة والخطاب لعدم وجود العقل الّذي هو وسيلة فهم دليل التّكليف‏.‏

فالجنون سبب من أسباب عدم المؤاخذة بالنّسبة لحقوق اللّه تعالى حسب البيان السّابق، ولا حدّ على المجنون، لأنّه إذا سقط عنه التّكليف في العبادات، والإثم في المعاصي فالحدّ المبنيّ على الدّرء بالشّبهات أولى، وأمّا بالنّسبة لحقوق العباد كالضّمان ونحوه فلا يسقط، لأنّه ليس تكليفا له، بل هو تكليف للوليّ بأداء الحقّ الماليّ المستحقّ في مال المجنون، فإذا وقعت منه جرائم، أخذ بها ماليّاً لا بدنيّاً، وإذا أتلف مال إنسان وهو مجنون وجب عليه الضّمان، وإذا قتل فلا قصاص وتجب دية القتيل، كذلك لا يتمّ إحصان الرّجم والقذف إلاّ بالعقل، فالمجنون لا يكون محصنا لأنّه لا خطاب بدون العقل‏.‏

لا جزية على المجنون

21 - ذهب الجمهور إلى أنّه لا جزية على المجنون، لأنّ الجزية شرعت جزاء عن الكفر وحملا للكافر على الإسلام، فتجري مجرى القتل، فمن لا يعاقب بالقتل، لا يؤخذ بالجزية، والمجنون لا يجوز قتله، فلا جزية عليه‏.‏ وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في ‏(‏جزية‏)‏‏.‏

هل يعتبر الجنون عيباً في النّكاح‏؟‏

22 - اختلف الفقهاء في النّكاح، فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الجنون في كلّ من الزّوجين يعتبر عيباً يفسخ به النّكاح مطبقاً كان أو متقطّعاً، فإذا وجد أحد الزّوجين بالآخر جنونا، يثبت الخيار في فسخ النّكاح لفوات الاستمتاع المقصود منه، ثمّ اشترط المالكيّة لثبوت الخيار كون الجنون موجودا حين عقد النّكاح، فإن حدث بعده فلا خيار للزّوج إن ابتليت به المرأة، ولها الخيار إن ابتلي الزّوج به لدفع الضّرر الدّاخل على المرأة‏.‏

وأمّا الشّافعيّة والحنابلة فقد صرّحوا باشتراط عدم العلم بالجنون حال العقد لثبوت الخيار، أمّا العالم به فلا خيار له‏.‏

وصرّح الحنفيّة بأنّه لا خيار للزّوج، وكذلك الزّوجة لا خيار لها عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو قول عطاء، والنّخعيّ، وعمر بن عبد العزيز، وابن زياد، وأبي قلابة، وابن أبي ليلى، والأوزاعيّ، والثّوريّ، والخطّابيّ، وفي المبسوط، أنّه مذهب عليّ، وابن مسعود رضي الله عنهم، ويرى محمّد أنّ لها الخيار، لأنّه لا تنتظم بينهما المصالح، فيثبت لها الخيار دفعا للضّرر عنها بخلاف الزّوج، لأنّه يقدر على دفعه بالطّلاق‏.‏

طروء الجنون على من صحّ تصرّفه

23 - سبق بيان أنّ التّصرّفات القوليّة لا تصحّ من المجنون، كما أنّ العقوبة البدنيّة تسقط عنه إذا ارتكب ما يوجب القصاص أو الحدّ‏.‏ لكن إذا تصرّف وهو عاقل ثمّ طرأ عليه الجنون أثناء سريان التّصرّف ومباشرته، كما هو الحال في الوصيّة، والوكالة، والشّركة مثلاً، أو كان ارتكب ما يوجب القصاص، أو الحدّ وهو عاقل ثمّ جنّ قبل القصاص، أو قبل إقامة الحدّ، فإنّ الحكم يختلف، وفيما يلي بيان حكم بعض المسائل‏.‏

أوّلاً - في التّصرّفات القوليّة

أ - الوصيّة‏:‏

24 - لا تصحّ الوصيّة من المجنون ابتداء وهذا باتّفاق‏.‏ أمّا إذا أوصى العاقل ثمّ جنّ فقد قال الكاسانيّ‏:‏ لو جنّ جنونا مطبقا بطلت وصيّته، لأنّ الوصيّة عقد جائز ‏(‏أي غير لازم‏)‏ كالوكالة فيكون لبقائه حكم الإنشاء كالوكالة، فتعتبر أهليّة العقد إلى وقت الموت، ونصّ ابن عابدين على أنّ من أوصى بوصيّة ثمّ جنّ، فإن أطبق الجنون حتّى بلغ ستّة أشهر بطلت وإلاّ فلا‏.‏ وظاهر كلام الجمهور أنّ الوصيّة لا تبطل بجنون الموصي بعد الوصيّة‏.‏

فقد قال المالكيّة‏:‏ لا تصحّ الوصيّة من المجنون إلاّ حال إفاقته‏.‏

وفي قواعد الأحكام‏:‏ إذا جنّ الموجب بين الإيجاب والقبول بطل إيجابه بخلاف الوصيّة فإنّها لا تبطل بالموت فالأولى أن لا تبطل بما دونه‏.‏

وفي شرح منتهى الإرادات من كان يفيق أحيانا ووصّى في إفاقته صحّت وصيّته‏.‏

هذا بالنّسبة للموصي‏.‏ أمّا بالنّسبة للوصيّ فالأصل أنّه يشترط فيه أن يكون عاقلاً، لأنّ المجنون لا يلي أمر نفسه فلا يكون له التّصرّف في شؤون غيره بطريق الأولى‏.‏

فإن طرأ عليه الجنون فإنّ الفقهاء يختلفون في صحّة الوصيّة إليه، تبعاً لاختلافهم في الوقت المعتبر لتوافر العقل فيه، وذلك على الاتّجاهات التّالية‏:‏

أ - يعتبر اشتراط توافر العقل عند الإيصاء من الموصي وعند موته دون اعتبار ما بينهما حتّى لو أوصى إلى العاقل ثمّ تغيّرت حاله فجنّ بعد الوصيّة وقبل الموت ثمّ عاد فكان عند موت الموصي عاقلا صحّت الوصيّة إليه، لأنّ الشّرط موجود حال العقد وحال الموت فصحّت الوصيّة كما لو لم تتغيّر حاله، ولأنّ حال العقد حال الإيجاب، وحال الموت حال التّصرّف فاعتبر فيهما‏.‏

وهذا هو الأصل عند الحنابلة وهو ظاهر كلام الحنفيّة وفي قول عند الشّافعيّة‏.‏

ب - يعتبر اشتراط العقل في الموصى إليه عند الإيصاء وما بعده إلى وقت الموت أي ابتداء ودواما وعلى ذلك لو جنّ الموصي بعد الإيصاء إليه لم تصحّ وصيّته، لأنّ كلّ وقت من ذلك يجوز أن يستحقّ فيه التّصرّف بأن يموت الموصي فاعتبرت الشّروط في الجميع، وبهذا قال المالكيّة وهو قول عند الشّافعيّة واحتمال للحنابلة ذكره صاحب المغني‏.‏

ج - يعتبر اشتراط العقل عند موت الموصي فقط، وعلى هذا لو أوصى إلى مجنون فأفاق قبل وفاة الموصي صحّت الوصيّة، لأنّ التّصرّف بعد الموت فاعتبرت الشّروط عنده كما تعتبر عدالة الشّهود عند الأداء، أو الحكم دون التّحمّل، وهذا هو الأصحّ والمعتمد عند الشّافعيّة، وهو ما صرّح به صاحب شرح منتهى الإرادات من الحنابلة‏.‏

وإذا طرأ الجنون على الوصيّ بعد انتقال الوصاية إليه بموت الموصي انعزل عن الوصاية فإذا أفاق فلا تعود الوصاية إليه إلاّ بعقد جديد كما يقول الشّافعيّة والحنابلة‏.‏

جاء في نهاية المحتاج ينعزل الوصيّ بالجنون ولا تعود الولاية بعد الإفاقة إلاّ بتولية جديدة‏.‏ وفي المغني وكشّاف القناع‏:‏ إن زالت الوصاية بعد الموت وانعزل ثمّ عادت الصّفات المعتبرة لم تعد وصايته، لأنّها زالت فلا تعود إلاّ بعقد جديد، قال في الكشّاف‏:‏ إن أمكن بأن قال الموصي مثلاً‏:‏ إن انعزلت لفقد صفة ثمّ عدت إليها فأنت وصيّي‏.‏

لكن في منتهى الإرادات وشرحه ما يخالف ذلك فقد جاء فيه‏:‏ إن عاد الوصيّ إلى حاله بعد تغيّره عاد إلى عمله لزوال المانع‏.‏

وعند الحنفيّة ما يفيد بقاءه إن لم يعزل قال ابن عابدين نقلاً عن الخانيّة‏:‏ لو جنّ الوصيّ مطبقا ينبغي للقاضي أن يبدّله، ولو لم يفعل حتّى أفاق فهو على وصايته‏.‏

وعند المالكيّة ينعزل الوصيّ بالجنون ويقيم الحاكم غيره مقامه‏.‏

ب - طروء الجنون على الوليّ في النّكاح‏:‏

25 - يشترط في الوليّ أن يكون عاقلاً والمجنون ليس من أهل الولاية، لأنّه لا ولاية له على نفسه فلا يكون له ولاية على غيره‏.‏

وإذا طرأ الجنون على من له ولاية النّكاح، فإن كان جنونه مطبقاً سلبت ولايته وانتقلت لمن بعده، ولا ينتظر إفاقته في تزويج مولّيته، وإنّما يزوّجها من انتقلت إليه الولاية من الأولياء، وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض فقهاء المالكيّة‏.‏

وإن كان الجنون غير مطبق تثبت له الولاية في حال إفاقته لأنّه لا يستديم زوال عقله فهو كالإغماء، فلا تزوّج مولّيته بل تنتظر إفاقته، وهذا عند الحنفيّة والحنابلة والمالكيّة، وهو ما صحّحه الرّافعيّ من الشّافعيّة‏.‏

وعند بعض المالكيّة لا تسلب ولاية المجنون ولو مطبقاً، ولا تزوّج ابنته لأنّ برأه مرجوّ، قاله التّتّائيّ‏.‏

وصحّح النّوويّ في الرّوضة أنّ الجنون سالب للولاية، سواء أكان مطبقاً أم منقطعاً‏.‏

ولو زال الجنون عادت الولاية لزوال المانع، وإن زوّجها من انتقلت إليه الولاية فقد قال الشّافعيّة على ما جاء في مغني المحتاج‏:‏ لو زوّج الأبعد فادّعى الأقرب أنّه زوّج بعد تأهّله، قال الماورديّ‏:‏ فلا اعتبار بهما، والرّجوع فيه إلى قول الزّوجين، لأنّ العقد لهما فلا يقبل فيه قول غيرهما، وجزم فيما لو زوّجها بعد تأهّل الأقرب أنّه لا يصحّ سواء أعلم بذلك أم لم يعلمه‏.‏ وفي المهذّب قال‏:‏ إن زوّجها من انتقلت إليه الولاية قبل أن يعلم بعودة ولاية الأوّل ففيه وجهان بناء على القولين في الوكيل إذا باع ما وكّل في بيعه قبل أن يعلم بالعزل‏.‏

وقال الحنابلة‏:‏ إن زوّج من انتقلت إليه الولاية وكان الأقرب قد صار أهلاً بعد إفاقته، ولكنّه لم يعلم عند التّزويج أنّه صار أهلاً وإنّما علم أنّه عاد أهلاً بعد تزويجها لم يعد العقد‏.‏

وكذا إن زال المانع وصار أهلاً بعد العقد لم يعد العقد‏.‏

ج - طروء الجنون على الحاضن‏:‏

26 - يشترط في الحاضن العقل فلا حضانة لمجنون، وإذا كان الحاضن عاقلاً ثمّ طرأ عليه الجنون زالت ولاية الحضانة وانتقلت لمن بعده من الأولياء‏.‏

وتعود الحضانة بزوال الجنون لزوال المانع‏.‏ قال ابن عابدين‏:‏ يعود الحقّ بزوال مانعه، وهذا ليس من قبيل عدد السّاقط، وإنّما معناه منع منه مانع كقولهم‏:‏ تسقط الولاية بالجنون ثمّ تعود بزوال ذلك، وهذا باتّفاق‏.‏ وينظر تفصيل ذلك في‏:‏ ‏(‏حضانة‏)‏‏.‏

د - طروء الجنون على ناظر الوقف‏:‏

27 - إذا طرأ الجنون على ناظر الوقف زالت ولايته، فإذا زال الجنون وأفاق عادت ولايته على الوقف‏.‏ وينظر تفصيل ذلك في‏:‏ ‏(‏وقف‏)‏‏.‏

هـ – الوكالة‏:‏

28 – طروء الجنون المطبق على الموكّل أو الوكيل يبطل عقد الوكالة، لأنّ الوكالة عقد جائز ‏(‏غير لازم‏)‏ فيكون لبقائه حكم الإنشاء، والوكالة تعتمد العقل في الموكّل والوكيل، فإذا انتفى العقل انتفت صحّة الوكالة لانتفاء ما تعتمد عليه وهو أهليّة التّصرّف‏.‏

وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‏.‏

لكن الحنفيّة يقولون‏:‏ إذا كانت الوكالة لازمة بحيث لا يملك الموكّل عزل الوكيل كالعدل إذا سلّط على بيع الرّهن، وكان التّسليط مشروطا في عقد الرّهن فلا ينعزل الوكيل بجنون الموكّل، وإن كان الجنون مطبقاً، لأنّ الوكالة متى كانت لازمة بحيث لا يقدر الموكّل على عزل الوكيل لا يكون لبقاء الوكالة حكم الإنشاء، وكان الوكيل في هذه الوكالة بمنزلة المالك من حيث إنّه لا يملك الموكّل عزله، ومن ملك شيئا من جهة أخرى ثمّ جنّ المملّك فإنّه لا يبطل ملكه كما لو ملك عيناً فكذا إذا ملك التّصرّف‏.‏وفي ذلك تفصيلات تنظر في‏:‏ ‏(‏وكالة‏)‏‏.‏

وعند الحنفيّة أيضاً‏:‏ إذا أفاق الموكّل بعد جنونه تعود الوكالة، ولا تعود الوكالة بإفاقة الوكيل بعد جنونه، لأنّ الجنون مبطل للأهليّة على وجه لا يحتمل العود إلاّ على سبيل النّدرة‏.‏ وعند الشّافعيّة لا تعود الوكالة بإفاقة أحدهما، فقد جاء في مغني المحتاج ينعزل الوكيل بخروج الموكّل أو الوكيل عن أهليّة التّصرّف بجنون وإن زال عن قرب، لأنّه لو قارن منع الانعقاد، فإذا طرأ قطعه‏.‏

وعند المالكيّة قال الدّسوقيّ‏:‏ لا ينعزل الوكيل بجنونه أو جنون موكّله، إلاّ أن يطول جنون الموكّل جدّا، فينظر له الحاكم‏.‏ وفي منح الجليل قال ابن عرفة نقلاً عن المازريّ‏:‏ جنون الوكيل لا يوجب عزله إن برأ، فكذا جنون الموكّل وإن لم يبرأ‏.‏

وفي الموضوع تفصيلات كثيرة تنظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏وكالة‏)‏‏.‏

والكلام في الوكالة يعتبر مثالا للعقود الجائزة كالشّركة، والمضاربة، والجعالة، وغيرها، وهي تبطل بجنون أحد العاقدين في الجملة‏.‏

وعند الحنفيّة تبطل الشّركة بجنون أحد الشّريكين جنوناً مطبقاً، فالشّركة قائمة إلى أن يتمّ إطباق الجنون فتنفسخ، فإذا عمل بعد ذلك فالرّبح كلّه للعامل والخسارة عليه‏.‏

وعند الحنابلة بعد أن تكلّموا على بطلان الوكالة بجنون الموكّل أو الوكيل قالوا‏:‏ وكذلك كلّ عقد جائز من الطّرفين كشركة، ومضاربة، وجعالة، يبطل بالجنون المطبق من أحدهما‏.‏ وتنظر التّفصيلات في أبوابها‏.‏

و - طروء الجنون على من له الخيار في البيع‏:‏

أ - في خيار المجلس‏:‏

29 - خيار المجلس يجعل العقد غير لازم إلى أن يتمّ التّفرّق من المجلس أو يتمّ التّخاير، وهذا عند من يقول بخيار المجلس، وهم الشّافعيّة والحنابلة‏.‏

وإذا طرأ الجنون على أحد العاقدين في مجلس العقد قبل التّفرّق أو التّخاير، فالأصحّ عند الشّافعيّة انتقال الخيار إلى الوليّ من حاكم أو غيره، كالموكّل عند موت الوكيل، وإلى السّيّد عند موت المكاتب، أو العبد المأذون، ومقابل الأصحّ أنّ الخيار يسقط، لأنّ مفارقة العقل ليست أولى من مفارقة المكان‏.‏

وعلى الصّحيح من مذهب الحنابلة، كما في الإنصاف وغيره، أنّ الجنون الطّارئ لا يقطع الخيار، والمجنون على خياره إذا أفاق من جنونه، ولا يثبت الخيار لوليّه، لأنّ الرّغبة في المبيع وعدمه، لا تعلم إلاّ من جهته‏.‏

وقيل‏:‏ وليّه أيضاً يليه في حال جنونه‏.‏ قاله في الرّعاية‏.‏

ويتوجّه كما في مطالب أولي النّهى، أنّ انتقال الخيار إلى الوليّ إنّما هو في حالة الجنون المطبق، لليأس من إفاقته، قال‏:‏ وهذا مبنيّ على قول مرجوح‏.‏

ب - في خيار الشّرط‏:‏

30 - في البيع بشرط الخيار إذا طرأ الجنون على من له الخيار، فعند الشّافعيّة والحنابلة لا ينقطع خياره، ويقوم وليّه أو الحاكم مقامه، فيفعل ما فيه الحظّ من الفسخ أو الإجازة‏.‏ وقال الشّافعيّة كما في المجموع للنّوويّ‏:‏ إذا جنّ أحد العاقدين في مدّة الخيار وأقام القاضي قيّما يقوم مقامه في الخيار، ففسخ القيّم أو أجاز، فأفاق العاقد وادّعى أنّ الغبطة خلاف ما فعله القيّم، قال القاضي حسين وغيره‏:‏ ينظر الحاكم في ذلك فإن وجد الأمر كما يقول المفيق مكّنه من الفسخ والإجازة، ونقض فعل القيّم، وإن لم يكن ما ادّعاه المفيق ظاهراً، فالقول قول القيّم مع يمينه، لأنّه أمين فيما فعله، إلاّ أن يقيم المفيق بيّنة بما ادّعاه‏.‏

وقد فصّل المالكيّة في طروء الجنون على أحد العاقدين، قالوا‏:‏ إذا جنّ من له الخيار وعلم أنّه لا يفيق أو يفيق بعد وقت طويل يضرّ الانتظار إليه بالعاقد الآخر، فإنّ السّلطان أو نائبه ينظر له في الأصلح من إمضاء أو ردّ‏.‏

أمّا إن كان يفيق بعد أيّام الخيار وما ألحق بها بقرب، بحيث لا يضرّ الصّبر إليه على الآخر فإنّه تنتظر إفاقته ولا ينظر السّلطان‏.‏ ولو لم ينظر السّلطان حتّى مضى يوم أو يومان من أيّام الخيار فزال الجنون احتسب ما مضى من المدّة على الظّاهر، ولو لم ينظر السّلطان حتّى أفاق بعد أمد الخيار لا يستأنف له أجل على الظّاهر والمبيع لازم لمن هو بيده‏.‏

وإذا نظر السّلطان في الأصلح من الإمضاء أو الرّدّ، وأفاق المجنون فلا يعتبر اختياره بل ما نظره السّلطان هو المعتبر‏.‏

واعتبر الحنفيّة على ما جاء في فتح القدير والفتاوى الهنديّة أنّ الجنون الطّارئ على أحد المتعاقدين في مدّة الخيار هو من المعاني الّتي ينفذ بها البيع إذا مضت أيّام الخيار وهو على جنونه‏.‏ ولو أفاق في مدّة الخيار فقد حكي عن الطّواويسيّ أنّه لا يكون على خياره‏.‏

وقال الإسبيجابيّ وشمس الأئمّة الحلوانيّ‏:‏ الأصحّ أنّه على خياره وهو منصوص في المأذون، كذا في الذّخيرة‏.‏ وقال في الفتاوى الهنديّة‏:‏ التّحقيق أنّ الجنون لا يسقط الخيار‏.‏

طروء الجنون على الموجب قبل القبول

31 - تحدّث الفقهاء عمّا لو طرأ الجنون على الموجب في العقد قبل قبول الطّرف الآخر‏.‏ قال الشّافعيّة‏:‏ لو جنّ الموجب بين الإيجاب والقبول بطل إيجابه‏.‏

وقال ابن قدامة‏:‏ إن أوجب النّكاح ثمّ زال عقله بجنون بطل حكم الإيجاب ولم ينعقد بالقبول بعده‏.‏ وتنظر تفصيلات ذلك في مواضعه‏.‏

طروء الجنون على من وجب عليه قصاص أو حدّ

أ - في القصاص‏:‏

32 - لا خلاف أنّ من قتل غيره وهو مجنون فلا قصاص عليه، وذلك لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «رفع القلم عن ثلاثة‏:‏ عن النّائم حتّى يستيقظ، وعن الصّبيّ حتّى يبلغ، وعن المجنون حتّى يفيق» ولأنّ المجنون ليس له قصد صحيح‏.‏

أمّا من ارتكب جريمة القتل وهو عاقل ثمّ جنّ، فعند الشّافعيّة والحنابلة لا يسقط عنه القصاص، ويقتصّ منه في حال جنونه سواء ثبتت عليه الجناية ببيّنة أو إقرار، لأنّ رجوعه غير مقبول‏.‏

أمّا الحنفيّة فلهم تفصيل آخر، قالوا‏:‏ إن جنّ القاتل قبل القضاء عليه أو جنّ بعد القضاء عليه وقبل دفعه للوليّ سقط القصاص استحساناً، وانقلب دية في ماله لتمكّن الخلل في الوجوب، وإن جنّ بعد دفعه لأولياء القتيل فلهم قتله، لأنّ شرط وجوب القصاص عليه كونه مخاطبا حال الوجوب، وذلك بالقضاء ويتمّ بالدّفع إلى أولياء القتيل، وهذا فيمن كان جنونه مطبقا، أمّا من كان يجنّ ويفيق فإنّه يقتصّ منه في إفاقته‏.‏

واختلفت أقوال المالكيّة‏:‏ فعند مالك ينتظر إفاقة المجنون فيقتصّ منه حال إفاقته‏.‏

قال ابن الموّاز‏:‏ فإن أيس من إفاقته كانت الدّية عليه في ماله، ولا يقتل وهو مجنون، وقال المغيرة‏:‏ يسلّم إلى أولياء المقتول إن شاءوا قتلوه وإن شاءوا عفوا عنه وليس لهم أن يلزموه الدّية، وقال اللّخميّ‏:‏ أرى أن يكون الخيار لأولياء المقتول فإن شاءوا قتلوه وإن شاءوا أخذوا الدّية من ماله إن كان له مال وإلاّ اتّبعوه بها‏.‏

ولو أشكل على البيّنة أقتل في حال عقله أو جنونه، فقال بعض القرويّين‏:‏ لا يلزمه شيء وهو الصّواب، لأنّه شكّ في المقضيّ عليه، لأنّ القاضي لا يحكم عليه إلاّ بعد أن تشهد البيّنة عنده أنّه قتل حال كونه في عقله‏.‏

ب - في الحدود‏:‏

33 - اتّفق الفقهاء - بالنّسبة لحدّ الرّدّة - على أنّ من ارتدّ وهو عاقل ثمّ جنّ، فلا يقام عليه الحدّ حال جنونه، بل ينتظر حتّى يفيق ويستتاب، لأنّه قد يعقل ويعود إلى الإسلام، ولأنّ المرتدّ يقتل بالإصرار على الرّدّة، والمجنون لا يوصف بالإصرار ولا يمكن استتابته‏.‏ هذا وقد صرّح الشّافعيّة بأنّ من ارتدّ واستتيب فلم يتب ثمّ جنّ، فإنّه يجوز قتله حال جنونه، ولم أعثر على مثل هذا الحكم عند غير الشّافعيّة، وإن كانت قواعدهم لا تأباه، لأنّ الغاية من انتظار إفاقته هي الاستتابة وقد حصلت‏.‏

أمّا بالنّسبة لبقيّة الحدود فهناك فرق بيّن في استيفاء الحدّ، وبين ما يثبت بالإقرار وما يثبت بالبيّنة على ما صرّح به الشّافعيّة والحنابلة‏.‏

جاء في مغني المحتاج‏:‏ من أقرّ بما يوجب حدّ اللّه تعالى ثمّ جنّ لا يقام عليه حينئذ احتياطاً، لأنّه قد يرجع عن الإقرار، فلو استوفي منه حينئذ لم يجب فيه شيء، بخلاف ما لو ثبت ببيّنة أو أقرّ بقذف ثمّ جنّ فإنّه يستوفى منه في جنونه لأنّه لا يسقط برجوعه‏.‏

وقال ابن قدامة‏:‏ من ثبت عليه الحدّ بإقراره ثمّ جنّ لم يقم عليه الحدّ حال جنونه، لأنّ رجوعه يقبل، فيحتمل أنّه لو كان صحيحاً رجع‏.‏

وصرّح المالكيّة والحنفيّة بأنّ من ارتكب ما يوجب حدّاً ثمّ جنّ فلا يقام عليه الحدّ حتّى يفيق‏.‏ وينظر تفصيل ذلك في أبوابه من‏:‏ ‏(‏زنى، وقذف، وسرقة‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏)‏‏.‏

جنين

التّعريف

1 - الجنين لغة‏:‏ الولد في البطن، والجمع أجنّة وأجنن‏.‏

والجنين كلّ مستور، وجنّ في الرّحم يجنّ استتر، وأجنّته الحامل سترته‏.‏

والجنين هو المادّة الّتي تتكوّن في الرّحم من عنصري الحيوان المنويّ والبويضة‏.‏

وهذا هو ما يؤيّد معنى مادّة جنين، فإنّها راجعة إلى الاستتار المتحقّق بهذا المعنى، ومنه المجنون لاستتار عقله، والجانّ لاستتاره عن أعين النّاس‏.‏

فالجنين في أصل اللّغة‏:‏ المستور في رحم أمّه بين ظلمات ثلاث‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَخْلُقُكُمْ في بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقَاً من بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ‏}‏‏.‏

وفي الاصطلاح لا يخرج عن المعنى اللّغويّ‏.‏ غير أنّ المزنيّ من فقهاء الشّافعيّة نقل عن الإمام الشّافعيّ‏:‏ أنّ الاستعمال الحقيقيّ للجنين فيما يكون بعد مرحلة المضغة، واستعماله فيما قبل ذلك يكون من باب المجاز‏.‏ وعبارته‏:‏ قال الشّافعيّ في الجنين‏:‏ أقلّ ما يكون به جنينا أن يفارق المضغة والعلقة حتّى يتبيّن منه شيء من خلق آدميّ‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

أطوار الجنين في الرّحم

2 - للجنين أطوار جاء النّصّ عليها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ‏.‏ ثمَّ جَعَلْنَاه نُطْفَةً في قَرَارٍ مَكِينٍ‏.‏ ثمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَامَاً فَكَسَونَا العِظَامَ لَحْمَاً ثمَّ أنْشَأنَاه خَلْقَاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ‏}‏‏.‏ فأصل الجنين الإنسانيّ من طين كما أفادت الآية المذكورة‏.‏ ولكلّ طور من أطوار الجنين حكم شرعيّ متعلّق به‏.‏ وفيما يلي بيان أطوار الجنين‏:‏

أ - النّطفة‏:‏

3 - ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ النّطفة ماء الرّجل وحده، لأنّ اللّه تعالى بيّن أنّه خلق الإنسان من ‏{‏مَاءٍ دَافِقٍ‏}‏ والدّفق لا يكون إلاّ من الرّجل كما هو ظاهر‏.‏ وقيل إنّها نطفة من ماء الرّجل والمرأة، وجمعها نطف‏.‏ وفيها كلّ القوى، وهذا الّذي عليه جمهور العلماء والمفسّرين، وهو الواضح من قول الرّسول صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه‏:‏ «إذا سبق ماء الرّجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت» وواضح من عبارة الحديث أنّ الجنين يتكوّن من النّطفة الممتزجة من ماء الرّجل وماء المرأة‏.‏

4 - ويتعلّق بالنّطفة أحكام من حيث الطّهارة والنّجاسة، فذهب الحنفيّة والمالكيّة وهي رواية عن أحمد - خلاف المشهور - إلى أنّها نجسة، ولا فرق في النّجاسة بين ماء الرّجل وماء المرأة، ويرى الشّافعيّة وهو المشهور عن أحمد أنّها طاهرة‏.‏

والقائلون بالنّجاسة مطلقاً لا بدّ عندهم من غسل منيّ المرأة أيضاً رطباً كان أو يابساً، والقائلون بطهارته يستحبّ عندهم غسل المنيّ رطباً ويستحبّ فرك منيّ الرّجل‏.‏

وبذا ترى أنّ الطّهارة أو النّجاسة لا يفترق فيها الخارج من الرّجل والخارج من المرأة‏.‏ ونقل عن أحمد أنّ الفرك إنّما يكون في منيّ الرّجل دون منيّ المرأة لأنّه رقيق‏.‏

وتفصيله في مصطلح‏:‏ ‏(‏طهارة ونجاسة‏)‏‏.‏

ب - العلقة‏:‏

5 - الكثير من المفسّرين يفسّرون العلقة بنقطة الدّم الجامدة، وذلك استناداً إلى ما ورد في بعض تفسيراتها اللّغويّة، والنّطفة في هذه المرحلة تدخل في مرحلة مغايرة، ولذلك استحقّت أن توصف بوصف الخلق في قوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏خَلَقَ الإنْسانَ مِنْ عَلَقٍ‏}‏‏.‏

6- وقد بيّن الفقهاء الحكم الشّرعيّ بالنّسبة للعلقة من ناحية الطّهارة والنّجاسة، فقال الحنفيّة وهو رواية عند الحنابلة، بنجاستها‏.‏

والصّحيح عندهم أنّها طاهرة، لأنّها بدء خلق الآدميّ، وقيل‏:‏ إنّها نجسة لأنّها دم‏.‏

أمّا من ناحية حلّ الإسقاط وحرمته فتفصيل ذلك في‏:‏ ‏(‏إجهاض‏)‏‏.‏

ج - المضغة‏:‏

7 - المضغة مقدار ما يمضغ، والقصد هنا القطعة من اللّحم بمقدار ما يمضغ، يقول الإمام الرّازيّ عند تفسيره قول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ سمّى تحويل العلقة مضغة خلقا، لأنّه سبحانه يفني بعض أعراضها ويخلق أعراضاً غيرها، فسمّى خلق الأعراض خلقا لها وكأنّه سبحانه يخلق فيها أجزاء زائدة‏.‏

8- وتكلّم الفقهاء في حكمها من حيث النّجاسة والطّهارة، فقال الحنفيّة‏:‏ إنّها نجسة كالعلقة، وذكر ابن الهمام أنّ العلقة إذا صارت مضغة تطهر‏.‏

وقال ابن عابدين‏:‏ إنّ ذلك مشكل‏.‏ والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏مضغة‏)‏‏.‏

أمّا ما يتعلّق بإسقاطها فسيأتي بعد‏.‏ وتفصيله في مصطلح‏:‏ ‏(‏إجهاض وسقط‏)‏‏.‏

أهليّة الجنين

9 - للجنين حقوق بيّنها الشّارع، أساسها أهليّة الوجوب والذّمّة‏.‏

وأهليّة الوجوب بالنّسبة للجنين تكون ناقصة‏.‏ قال البزدويّ‏:‏ إنّ الجنين له ذمّة مطلقة، وإن كانت الأهليّة بالنّسبة للجنين ناقصة، لأنّه يحتمل الحياة والموت‏.‏

فتجب له الحقوق الّتي لا تحتاج إلى قبول، كثبوت النّسب، والإرث،والاستحقاق في الوقف‏.‏ والشّارع وإن أجاز إقامة أمين ليحافظ على مال الجنين إلاّ أنّ هذا الأمين ليس في حكم الوصيّ، ولا يملك التّصرّف باسمه‏.‏ وانظر تفصيل ذلك في مصطلح ‏(‏أهليّة‏)‏‏.‏

أثر الجنين في نفقة أمّه

10 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الحامل المطلّقة تستحقّ النّفقة والسّكنى لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيهِنَّ حتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ‏}‏ والنّفقة لها بسبب الجنين أو العدّة على خلاف وتفصيل ينظر في مصطلحي ‏(‏حامل، ونفقة‏)‏‏.‏

أثر الجنين في العدّة

11 - عدّة الحامل تكون بوضع الحمل لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ‏}‏وأجمع أهل العلم في جميع الأمصار أنّ المطلّقة الحامل تنقضي عدّتها بوضع الحمل‏.‏ والمتوفّى عنها زوجها إذا كانت حاملا فعدّتها بوضع الحمل على خلاف وتفصيل في ذلك ينظر تحت عنوان ‏(‏عدّة‏)‏‏.‏

أثر الجنين في تصرّفات الحامل

12 - للجنين أثر في تصرّفات الحامل في الشّهور الأخيرة من الحمل، على خلاف وتفصيل ينظر في مصطلحي‏:‏ ‏(‏حامل‏.‏ ومرض الموت‏)‏‏.‏

موت الحامل وفي بطنها جنين حيّ

13 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الحامل إذا ماتت وفي بطنها جنين حيّ يشقّ بطنها، ويخرج ولدها، لأنّه استبقاء حيّ بإتلاف جزء من ميّت‏.‏

وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏حامل‏)‏‏.‏

أثر الجنين في الطّلاق

14 - يقع طلاق الحامل رجعيّا وبائنا باتّفاق الفقهاء، على خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏حامل، وطلاق‏)‏‏.‏

أثر الجنين في عقوبة أمّه

15 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا يقام الحدّ أو القصاص على الحامل حتّى تضع، سواء أكان الحمل من زنى أم من غيره، على تفصيل ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏حامل‏)‏‏.‏

أثر الجنين في دفن أمّه

16 - إذا ماتت كافرة في بطنها جنين من مسلم بنكاح أو وطء شبهة‏.‏ فقد اختلف، هل تدفن في مقابر المسلمين مراعاة لجنينها، أو في مقابر الكفّار مراعاة لحالها على تفصيل ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏حامل‏)‏‏.‏

استحقاق الجنين في تركة مورّثه

17 - نصّ الفقهاء على أنّ الحمل من جملة الورثة إذا تيقّن وجوده عند الوفاة وانفصل عن أمّه حيّاً وكان يتحقّق فيه سبب من أسباب الإرث‏.‏ ويحتمل أن يكون الجنين ذكراً، كما يحتمل أن يكون أنثى، ويحتمل أن يكون متعدّداً، كما يحتمل أن يكون واحداً، ولكلّ حكمه الخاصّ في الإرث‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلحي‏:‏ ‏(‏إرث، وحمل‏)‏‏.‏

أثر الجنين في الإرث

18 - يؤثّر الجنين في الميراث في بعض الحالات، فإذا كان نصيب الوارث يتأثّر بالحمل، عومل الوارث بأقلّ الأنصباء على فرض كون الجنين ذكراً أو أنثى، وكونه متعدّداً أو واحدا، وكونه وارثاً أو غير وارث، على ما هو مبيّن في مصطلح‏:‏ ‏(‏إرث‏)‏‏.‏

وعلى الجملة، فإنّ الجنين قد يؤثّر على أنصباء كثير من الوارثين، ومن صور ذلك ما إذا توفّيت امرأة عن زوجها وابن أخيها الشّقيق، وعن حمل لأخ شقيق آخر متوفّى، فإنّه لو فرض الحمل ذكراً لاستحقّ مع الآخر نصف الباقي بعد الزّوج، وإذا فرض الجنين أنثى فإنّها لا تستحقّ شيئاً، ولو كان الحمل متعدّداً من الذّكور لشاركوا الموجود في الباقي، وإن كنّ إناثاً لم يستحققن شيئاً، وإن كان ذكرا وأنثى يشارك الذّكر دون الأنثى‏.‏

وعلى كلٍّ فتقسيم التّركة مع وجود الحمل يكون غير نهائيّ، فتقسم التّركة إن طالب الورثة، ويدفع إلى من لا ينقصه الحمل كلّ ميراثه، ويدفع إلى من ينقصه الحمل أقلّ نصيبه، ومن يسقط الحمل لا يدفع إليه شيء‏.‏ والتّفصيل في ‏(‏إرث‏)‏‏.‏

حكم الوصيّة للجنين

19 - صرّح الفقهاء بأنّ الوصيّة تثبت للجنين استحساناً من غير حاجة إلى قبول، باعتبار أنّها استخلاف من وجه، والجنين يصلح خليفة في الإرث، فكذا في الوصيّة‏.‏

بل لعلّ الوصيّة في هذا أظهر، يقول ابن قدامة‏:‏ والحمل يرث فتصحّ الوصيّة له - فإذا ورث الحمل فالوصيّة له أولى‏.‏

والجنين يستحقّ غلّة العين الموصى بها من وقت وفاة الموصي عند الحنفيّة، ولذا فإنّ الوصيّة له توقف حتّى يتمّ الوضع وتتيقّن حياته‏.‏ كما أنّه يملك الموصى به جميعه إن كان واحدا، وإذا كان أكثر من واحد وبين ولادتهم أقلّ من ستّة أشهر فإنّ الموصى به يكون لهما أو لهم‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏حمل، وصيّة‏)‏‏.‏

الوقف على الجنين

20 - أجاز الفقهاء الوقف على الأولاد والذّرّيّة الموجود منهم ومن سيولد، على خلاف وتفصيل ينظر في مصطلحي‏:‏ ‏(‏حمل، ووقف‏)‏‏.‏

الجناية على الجنين

21 - إذا وقع اعتداء على الجنين وتسبّب في إسقاطه ميّتاً ففيه الغرّة عند جمهور الفقهاء واختلف في وجوب الكفّارة، على خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏إجهاض‏)‏‏.‏

تغسيل الجنين، وتكفينه، والصّلاة عليه، ودفنه

22 - ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا انفصل الجنين ميّتاً ولم يستهلّ بعد الولادة، فإنّه يغسّل، ويسمّى، ويدرج في خرقة، ويدفن، ولا يصلّى عليه‏.‏

يقول ابن عابدين‏:‏ وهذا الكلام يشمل ما تمّ خلقه، وما لم يتمّ خلقه‏.‏

أمّا ما تمّ خلقه فلا خلاف في تغسيله، وأمّا ما لم يتمّ، ففيه خلاف‏.‏

والمختار أنّه يغسّل ويلفّ في خرقة ولا يصلّى عليه‏.‏ وجزم صاحب الهداية في هذا المقام بأنّ من استهلّ بعد الولادة سمّي، وغسّل، وصلّي عليه‏.‏ واستدلّ بما روي عن الرّسول صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إذا استهلّ الصّبيّ صلّي عليه، وورث»، وبأنّ الاستهلال دلالة الحياة، فيتحقّق في حقّه سنّة الموتى، ثمّ يقول‏:‏ وإن لم يستهلّ أدرج في خرقة كرامة لبني آدم، ولم يصلّ عليه، لما رويناه، ويغسّل في غير الظّاهر من الرّواية، لأنّه نفس من وجه وهو المختار‏.‏ وأورد الكاسانيّ تفصيل الخلاف في هذا بين أئمّة المذهب‏.‏

ومن الواضح أنّ السّقط المسلم يدفن في مقابر المسلمين‏.‏

يقول الكاسانيّ في البدائع‏:‏ لو كانت كتابيّة تحت مسلم ثمّ ماتت، وفي بطنها ولد مسلم، اختلف الصّحابة في الدّفن، فقال بعضهم‏:‏ تدفن في مقابر المسلمين ترجيحا لجانب الولد، وقال بعضهم‏:‏ تدفن في مقابر المشركين، لأنّ الولد في حكم جزء منها ما دام في البطن‏.‏

وعند المالكيّة قال الدّردير‏:‏ لا يغسّل سقط لم يستهلّ صارخا ولو تحرّك، إذ الحركة لا تدلّ على الحياة‏.‏‏.‏‏.‏ ويغسّل دم السّقط، ويلفّ بخرقة، ويوارى وجوباً في التّكفين والدّفن‏.‏

وفي موضع آخر يقول‏:‏ وتدفن غير المسلمة الّتي في بطنها جنين من مسلم بحضرة غير المسلمين لعدم حرمة جنينها‏.‏

وعند الشّافعيّة‏:‏ إذا استهلّ الجنين أو تحرّك، ثمّ مات، غسّل وصلّي عليه، وإن لم يستهلّ ولم يتحرّك، فإن لم يكن له أربعة أشهر، كفّن بخرقة ودفن‏.‏

وإن تمّ له أربعة أشهر، ففي القديم يصلّى عليه، لأنّه قد نفخ فيه الرّوح، وفي الأمّ لا يصلّى عليه وهو الأصحّ‏.‏

ويقول الرّمليّ‏:‏ إنّ الولد النّازل بعد تمام ستّة أشهر يجب فيه ما يجب في الكبير من صلاة وغيرها، وإن نزل ميّتاً ولم يعلم سبق حياته‏.‏‏.‏‏.‏ ثمّ قال بعد ذلك‏:‏ إنّ للسّقط أحوالاً حاصلها‏:‏ أنّه إن لم يظهر فيه خلق آدميّ لا يجب فيه شيء‏.‏ نعم يسنّ ستره بخرقة ودفنه، وإن ظهر فيه خلقة ولم تظهر فيه أمارة الحياة وجب فيه ما سوى الصّلاة‏.‏

وعند الحنابلة يقول ابن قدامة‏:‏ إذا أكمل السّقط أربعة أشهر أو بان فيه خلق إنسان، غسّل وصلّي عليه ولو لم يستهلّ، ويستحبّ تسميته، ونقل جماعة أنّ ذلك بعد أربعة أشهر، وفي الفروع‏:‏ لا يجوز أن يصلّى عليه كالعلقة، وفي كلّ من الرّوض المربّع، وكشّاف القناع‏:‏ إذا ولد السّقط لأكثر من أربعة أشهر غسّل، «لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ والسّقط يصلّى عليه، والغسل واجب وإن لم يستهلّ»‏.‏